في هذه الأرض، بين ذلك الكمِّ الهائل من البشر، وبين تلك الأنفاس التي تتصاعد مراراً وتكراراً نحو السماء، كنتُ أنا من بينهم؛ جسدي حاضرٌ في المكان، وعيناي ترقبان جمال الصنيع، ويداي تستنطقان ملمس الأزهار. كنتُ تلك الشخصية الهادئة جداً، التي تُحسب كلماتها بدقة، تنظر وتسمع في صمتٍ مُطبق، حتى ليظنَّ الغريب أنَّ الكلمات لا تعرف لي سبيلاً
شخصيةٌ تعيش بين إخوتها بهدوءٍ مريب، يعجز اللسان عن صياغة خلجاتها، حتى مع والدتها؛ غريبةٌ عن العالم، وغريبةٌ عن نفسها. هل كانت تلك الروح حاضرةً حقاً؟ أم أنها كانت مجرد طيفٍ يسترق السمع؟ كنتُ غريبةً بين الأنام، لم أجد لتلك الروح ملاذاً أو ركناً منذ الصغر، ولم يستطع أحدٌ -حتى أنا- سبر أغوارها
تلك الروح تظهر للكثيرين؛ فمنهم من يفسر صمتها قسوةً في القلب، ومنهم من يراه وقاراً وأدباً، والآخرون يكتفون بالتعجب من سكونها الذي لا ينمُّ عما وراءه
انغمست تلك الروح في لجّة الحياة، فواجهت العقبات، وبدت قسوة الأيام جلية، لكنَّ ذلك الهدوء ظلَّ حصناً منيعاً. بدلاً من ارتياد آفاق الحياة، انصرفت نحو استكشاف ذاتها؛ من تكون؟ ما حقيقتها؟ وهل يصدق البشر في وصفهم؟ لقد غاصت تلك الروح في أعماقها بدلاً من اللهو في ربوع الحياة، وتجرعت تحدياتٍ شتى، وظلَّ هدوؤها ساكناً لا يأتيه التغيير
وفي خضمِّ الأرواح التي صادفتها، التقت بروحٍ تشبهها، وقالت في جوفها: "نعم، إنها نسختي الجريئة". كانت تلك الروح نقيضاً تاماً لها، لكنها غدت مرآتها الصادقة؛ لم تعبرها مرور الكرام، بل علمتها معنى الوجود، وبدلاً من الانكفاء على الداخل، أخذت بيدها لتخوض غمار هذه الحياة الفسيحة، وأهدتها ألواناً لم تكن يوماً لتدرك أنها موجودة خلف ستائر الأسود
تحدثت تلك الروح لأول مرة، واستمتعت، وضحكت، وعلت أمنياتها لأول مرة. كانت تلك الروح نقطة تحولها الكبرى، إذ انطلقت بصرير عينيها لتتأمل عالماً خارجياً، لم تره عيناها ولو لمرة




